محمد بن عمر التونسي
59
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
الأحرار « 1 » وزخرفوا له القول حتى استقر في ذهنه أن الأمر صحيح . فغضب لذلك وقال : تاجر مثل هذا في غنائه يفعل هذا الفعل ؟ ! الفقر أولى به ! فأحضرنى من دارى على غير صورة ، وحين دخلت عليه وبخّنى وقرّعنى بالكلام المؤلم ، وطلبت تحقيق ما قيل فىّ فلم أتمكن من ذلك ، ولا سمع لي قول ، ( 56 ) بل أمر بالقبض علىّ ، وأن توضع الأغلال في عنقي ، ويضيّق علىّ في الحبس . وكان من لطف اللّه تعالى أنّ أباك حاضر بالمجلس ، فلم يتجاسر أحد [ على أن ] يشفع لي عنده لما قام به من الغضب . وحين رأى والدك ذلك تقدّم وتنحنح ، وذكر أحاديث في العفو عن الجاني ، وتلا : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا » « 2 » . ثم شفع فىّ فشفّعه السلطان وأمر بإطلاقى ، وبعد ذلك ظهرت له براءتي ؛ ولكن لو لم يسخّره اللّه لي في تلك الساعة لذهبت نفسي وأموالي كلّها ! فأىّ جميل أكبر من هذا ، وأي صنيع « 3 » أعظم من هذا ؟ ! ومع ذلك كله فأجر أبيك فيما فعله معي على اللّه ، وإني طالما كنت أترقّب له حاجة تأتى على يدي فأقضيها له ، فلم « 4 » يتيسر لي إلا هذه الخدمة ، وعسى أن يكون فيها قضاء بعض ما وجب علىّ ، ولا أظن ذلك . ثم أراد عمّى أن يسافر صبح ذلك النهار ، فأبى السيد أحمد . فمكثنا بعد ذلك ثلاثة « 5 »
--> ( 1 ) في الأصل : الاحرارى . ( 2 ) سورة الحجرات ، آية 6 . ( 3 ) في الأصل صنع . ( 4 ) في الأصل : لم . ( 5 ) في الأصل : ثلاثا .